يعرف السوريون السيدة يارا صبري من خلال عملها كممثلة ذات شعبية كبيرة, قدمت أعمالا حظيت باحترام الجميع. ويعرفونها أيضا من خلال مواظبتها منذ بدء الثورة السورية عام 2011 على تكريس حسابها على فيسبوك لتبادل المعلومات حول المفقودين في سوريا, وخاصة أولئلك الذين تعتقلهم سلطات النظام السوري الأمنية المتوحشة. لقد أصبح حساب يارا صبري التي لديها خمسة ألاف صديق (وهو الحد الأعلى المسموح به) وخمساً وخمسين ألفاً من المتابعين قبلةٌ بالنسبة للباحثين عن أحبتهم الذين غيبتهم سجون النظام, أو فقدوا لسبب أو لآخر.
لا يخفى على أحد مصير من يقعون في قبضة مخابرات الأسد, حيث يمسي في عداد المستحيل معرفة ما يحل بهم, والحصول على أية معلومات حول مكان اعتقالهم أو أحوالهم, ناهيك عن معرفة مصيرهم, فقد قتل في سجون الأسد آلاف المعتقلين تعذيباً أو إهمالاً متعمداً. فأجهزة النظام الأمنية تتمتع بسلطات مطلقة تفرضها حالة الطواريء والنفوذ الذي تتمتع به هذه الأجهزة والذي لا تحده سلطة ولا قانون. ويقبع في السجون السورية اليوم عشرات, وربما مئات, الألاف من المعتقلين على خلفية الثورة السورية التي تفجرت في ربيع عام 2011, ينتظرون جميعاً معجزةً من السماء, فيما تقبع أسرهم منتظرةً بمزيج من الأمل واليأس خبراً عنهم ليعرفوا ما إذا كانوا على قيد الحياة. ومع غياب الآليات القانونية الرسمية التي تعطي أهالي المعتقلين الحق في معرفة أخبار معتقليهم, لا يبقى للسوريين سوى ما يأتي به الخارجون من سجون الأسد من أخبارٍ حول من رأوا وقابلوا في رحلتهم في الاعتقال, أو الوصول إلى أحد المتنفذين, ربما مقابل مبلغ من المال, لمعرفة ما قد يريح بالهم ولو لحين, وهو أمر لا يتاح لعدد كبير منهم.
وعلى فيسبوك, هناك سوريون مخلصون ومتفانون وشجعان, يكرسون وقتهم وجهدهم وحساباتهم على شبكة التواصل الاجتماعي التي أصبحت مكان السوريين المفضل بعد أن ضافت بهم الأرض, لنشر أسماء المعتقلين وطلب معلومات عنهم علَّ خارجاً من تلك السحون يملكها, أو لنشر معلومات عن معتقل أرسلها معتقل سابق, ويصبح فيسبوك, الذي كرسه السوريون أداةً في ثورتهم, مرةً أخرى مصدراً للأمل.
صورة من حساب السيدة يارا صبري تظهر منشورا حول الطبيب خير الدين صطوف الذي اعتقل من مكان عمله في مشفى المجتهد من قبل المخابرات السورية.
أطلقت السيدة يارا صبري لقب الجن الأزرق على الأجهزة الأمنية السورية, وهو تعبير يستخدم للإشارة إلى أيدٍ خفية تقوم بأفعال شريرة.
تستخدم يارا صبري حسابها لنشر أخبار المفرج عنهم, وقد أصبح للسيدة يارا علاماتها التجارية الخاصة بها وأسلوبها المميز في نقل هذه الأخبار. فعند الإفراج عن أحدهم, تدعو يارا أصدقائها الافتراضيين لمرافقتها في رحلةٍ خياليةٍ على متن “باص الحرية” إلى منزل المفرج عنه, وتقدم له التهاني وتتمنى للبقية الحرية التي يستحقونها, وفي الشهور الأخيرة ظهر على حساب السيدة يارا صبري رسماً محبباً لباص الحرية, يستقله عدد كبير من الناس يلوحون بأيديهم من نوافذه مبتهجين, تعلوه لافتات تحمل عبارات الحرية والأمل, ونقرأ على جانبه بخط كبير “فن, فن فن” وهي العبارة المحببة بالنسبة لصبري والتي تطلق من خلالها باصها الجميل في رحلات الحرية تلك.
باص الحرية
أصبحت عبارات يارا الجميلة علامة فارقة في الوسط الفيسبوكي السوري, ودرجت عباراتها مثل “يا حرية” و”ياحرية اغمريهم” و”بدنا ياهن, بدنا الكل” على ألسنة السوريين وفي حساباتهم على شبكات التواصل الاجتماعي حتى أصبحت أيقونات يستخدمها الكثيرون منهم حين الحديث عن المعتقلين والغائبين وتداول أخبارهم, ونقبل البشارة بالافراج عنهم.
ليست يارا صبري هي الوحيدة التي تقوم بذلك, فهناك عدد من المنظمات الحقوقية السورية مثل مركز توثيق الانتهاكات تقوم بعمل مشابه بالإضافة لعملها في التوثيق, لكن يارا صبري تبقى الأكثر تميزاً وإصراراً وتفانياً. يشع عمل السيدة يارا صبري, في جوهره وأسلوبه, كدليلٍ ساطعٍ على الإمكانيات الواسعة لتوظيف شبكات التوصال الاجتماعي بشكل بناء في زمن الحرب, حيث تتقطع الأواصر, وتفصل المسافات بين الأهل والأصدقاء, ويمسي سماع خبر ما عن أخ أو أب أو ابنة غيبهم الاستبداد, هدية لا يساويها شيء في هذا الكون, ويصبح الفضاء الافتراضي مكانا جميلا من جديد.


