إن العلاقة بين حرية التعبير والمساءلة القانونية على الإنترنت وخاصة منصات التواصل الاجتماعي تعد من أكثر القضايا أهمية وجدلية، خاصة مع تزايد الاعتماد على الفضاء الرقمي كوسيلة أساسية للتعبير.
كما أن المشرّع السوري يوازن بين الحق الدستوري في التعبير وبين ضرورة حماية الحقوق الشخصية والأمن العام، وهو ما يتجلى في تداخل عدة قوانين وتشريعات.
في هذا المقال نحلل وجهة نظر القانون السوري حول حرية الرأي والتعبير على منصات التواصل الاجتماعي.
المرجعية الدستورية لحرية التعبير
يعتبر الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 المرجعية العليا التي تكفل الحريات الأساسية. فقد نصت المادة (13) على الاعتراف بالحقوق والحريات، وتكفل الدولة حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة، كما أن المادة (12) تدمج المعاهدات الدولية المصادق عليها -مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية- كجزء من المنظومة القانونية الوطنية، مما يفرض من الناحية التشريعية والقانونية حماية حرية الرأي والتعبير.
قانون الجرائم الإلكترونية رقم 20 لعام 2022
يعد هذا القانون الأداة التشريعية الأبرز في تنظيم النشاط على منصات التواصل الاجتماعي حالياً. وبحسب الأسباب الموجبه للقانون فهو صدر بهدف توفير الحماية القانونية وإيجاد نظام عقابي لمرتكبي جرائم الحاسوب وشبكة المعلومات ومكافحة الجرائم الإلكترونية التي رافقت نشوء ونمو وتطور نظم الحاسوب والشبكات والثورة التقنية للمعلومات، ولما تُلحق بالمؤسسات والأفراد من مخاطر وخسائر كونها تستهدف البيانات والمعلومات، وتمس بالحياة الخاصة للأفراد وتهدد الأمن الوطني والسيادة الوطنية، وتضعف الثقة بالتقنيات الحديثة وتهدد الإبداع البشري، ومن أجل توفير الحماية القانونية لنظم الحاسوب التي تعمل الدولة على تشجيع الاعتماد عليها في الأنشطه كافة وتتمحور المساءلة فيه حول عدة نقاط:
حماية الخصوصية: يجرم القانون انتهاك حرمة الحياة الخاصة عبر نشر صور أو معلومات دون رضا صاحبها.
التشهير والتحقير الإلكتروني: يضع عقوبات مشددة على الذم والقدح الذي يتم عبر الوسائل الرقمية، معتبراً أن علانية النشر على التواصل الاجتماعي تضاعف من جسامة الفعل.
المحتوى المخل بالآداب: يتشدد القانون في المساس بالحشمة أو الحياء العام عبر المنصات الرقمية.
أمن الدولة الرقمي: يتضمن مواداً تتعلق بنشر الأخبار التي قد تؤثر على هيبة الدولة أو الاستقرار العام، وهو الجانب الذي يعتبر نقطة حساسة وفاصلة بين حدود حرية التعبير السياسية وحماية أمن الدولة الرقمي وعدم المساس بسيادة الدولة.
قانون الإعلام رقم 108 لعام 2011
جاء هذا القانون لتنظيم العمل الإعلامي، إلا أن امتداده يشمل المحتوى المنشور عبر الإنترنت وضرورة ترخيص المنصات الرقمية.حيث جاءت المادة الأولى منه بتعريف التواصل الإلكتروني بأنه بث أو إرسال أو استقبال المعلومات بالوسائل الإلكترونية أو الكهرطيسية أو الضوئية أو الرقمية أو ما يشابهها، وذكر كذلك الوسائل الرقمية الإلكترونية من ضمن الوسائل الإعلامية وعرف الموقع الإلكتروني.
المسؤولية عن النشر: يحدد القانون ضوابط للنشر تمنع التحريض على العنف أو نشر المعلومات الكاذبة والمشوهة.
حيث جاءت المادة الثانية عشرة منه والثالثة عشرة ما يحظر على الإعلامي نشره فيما إذا يمس حريات الأفراد وعدم المساس بالموظفين إلا ضمن عملهم ويستهدف المصلحة العامة وعدم التحريض على ارتكاب الجرائم وأعمال العنف وعدم المساس بالوحدة الوطنية والأمن الوطني أو الإساءة إلى الديانات السماوية والمعتقدات الدينية وإثارة النعرات الطائفية أو المذهبية وكل ما يحظر نشره في قانون العقوبات العام والتشريعات النافذة وكل ما تمنع المحاكم نشره.
التحديات التطبيقية: يواجه هذا القانون صعوبة في ملاحقة المحتوى الفردي على وسائل التواصل، ولكنه يظل مرجعاً لتحديد “أخلاقيات النشر” والمسؤولية القانونية عما يُبث للجمهور.
قوانين أخرى مكملة للمساءلة
لا تقتصر المساءلة على القوانين التقنية فقط، بل تمتد لتشمل:
1ـ قانون العقوبات السوري رقم 148 لعام 1949 والمعدل بالمرسوم التشريعي رقم 1 لعام 2011 فهو يطبق بصفته الشريعة العامة،بصورة خاصة في جرائم التهديد، الابتزاز، والاعتداء على السمعة التي تتم عبر وسائل التواصل. وكما أن المادة 45 من قانون الجرائم المعلوماتية أشارت بأنه في كل ما لم يرد عليه نص في الاحكام الموضوعية و الإجرائية الواردة في هذا القانون يطبق قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية.
2ـ قانون الاتصالات رقم 18 لعام 2010: وهو القانون الناظم للقواعد الفنية والخصوصية وسوء استخدام وسائل الاتصال.
3ـ قانون الإتجار بالأشخاص رقم 3 لعام 2010: يهدف إلى منع ومكافحة الإتجار بالأشخاص. وإيلاء اهتمام خاص للنساء والأطفال ضحايا هذا الإتجار.
وجهة نظر القانون في التوازن المطلوب
من وجهة نظر تشريعية، يرى القانون السوري أن “الحرية تنتهي عند حدود حقوق الآخرين وأمن المجتمع”. ومع ذلك، يظهر الواقع الميداني وجود بعض الإشكاليات وهي:
الغموض في المصطلحات: بعض النصوص القانونية تتسم بالعمومية (مثل هيبة الدولة أو الآداب العامة)، مما قد يؤدي لتوسيع دائرة المساءلة على حساب حرية التعبير.
النزعة العقابية: أتجه قانون الجرائم الإلكترونية الصادر في العام 2022 إلى تشديد العقوبات من غرامات إلى الحبس و السجن، مما قد يخلق حالة من “الردع ” لدى المستخدمين خوفاً من الملاحقة.
الفجوة النوعية: إن القوانين السورية افتقرت لنصوص متخصصة تحمي الفئات الضعيفة مثل النساء من العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي بشكل مباشر ومستقل.
وحيث إن النشاط على منصات التواصل الاجتماعي في سورية محكوم بشبكة معقدة من القوانين التي تهدف لحماية الفضاء الرقمي. ولتحقيق التوازن المثالي، تبرز الحاجة إلى تحديث هذه التشريعات لتكون أكثر دقة في تعريف الجرائم، مثال التحرش الرقمي لما يشوبه من اختلاط مفهومه القانوني عن المفهوم الشعبي ولضمان عدم استخدام المساءلة القانونية كأداة لتقويض حرية التعبير التي كفلها الدستور والمعايير الدولية.
توصيات
ربما نحن بحاجة إلى اختصاصيين رقمين قادرين على تمييز التزييف العميق خاصة بعد ظهور الذكاء الاصطناعي ومحاكاته الواقع لدرجة يصعب التمييز بينهما.
تحديد مسؤولية منصات التواصل الاجتماعي ومزودي الخدمة ومدى مساعدتهم للسلطات، مع الحفاظ على خصوصية المستخدمين.
في النهاية إن القانون ما هو إلا مرآة الواقع ويعكس المشاكل التي تظهر في المجتمع وكيفية حلها، فلا بد من مراجعة دورية له لتطويره بما يتوافق مع الواقع الذي نعيش فيه وخاصة أن الجانب التقني سريع التطور والحداثة.
